القرطبي
183
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
تعالى : " لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم " [ التين : 4 ] فإنه من كتابنا . وقد ظن بعض الضعفة أن هذا القول لو كان ظنا باطلا منهن لوجب على الله أن يرد عليهن ، ويبين كذبهن ، وهذا باطل ، إذ لا وجوب على الله تعالى ، وليس كل ما يخبر به الله سبحانه من كفر الكافرين وكذب الكاذبين يجب عليه أن يقرن به الرد عليه ، وأيضا أهل العرف قد يقولون في القبيح كأنه شيطان ، وفي الحسن كأنه ملك ، أي لم ير مثله ، لأن الناس لا يرون الملائكة ، فهو بناء على ظن في أن صورة الملك أحسن ، أو على الإخبار بطهارة أخلاقه وبعده عن التهم . ( إن هذا إلا ملك ) أي ما هذا إلا ملك ، وقال الشاعر ( 1 ) : فلست لإنسي ولكن لملاك * تنزل من جو السماء يصوب وروي عن الحسن : " ما هذا بشرى " بكسر الباء والشين ، أي ما هذا عبدا مشترى ، أي ما ينبغي لمثل هذا أن يباع ، فوضع المصدر موضع اسم المفعول ، كما قال : " أحل لكم صيد البحر " ( 2 ) [ المائدة : 96 ] أي مصيده ، وشبهه كثير . ويجوز أن يكون المعنى : ما هذا بثمن ، أي مثله لا يثمن ولا يقوم ، فيراد بالشراء على هذا الثمن المشترى به : كقولك : ما هذا بألف إذا نفيت قول القائل : هذا بألف . فالباء على هذا متعلقة بمحذوف هو الخبر ، كأنه قال : ما هذا مقدرا بشراء . وقراءة العامة أشبه ، لأن بعده " إن هذا إلا ملك كريم " مبالغة في تفضيله في جنس الملائكة تعظيما لشأنه ، ولأن مثل " بشرى " يكتب في المصحف بالياء . قوله تعالى : ( قالت فذلكن الذي لمتنني فيه ) لما رأت افتتانهن بيوسف أظهرت عذر نفسها بقولها : " لمتنني فيه " أي بحبه ، و " ذلك " بمعنى " هذا " وهو اختيار الطبري . وقيل : الهاء للحب ، و " ذلك " عل بابه ، والمعنى : ذلكن الحب الذي لمتنني فيه ، أي حب هذا هو ذلك الحب . واللوم الوصف بالقبيح . ثم أقرت وقالت : ( ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ) أي أمتنع ( 3 ) ،
--> ( 1 ) هو رجل من عبد القيس جاهلي ، يمدح بعض الملوك ، قيل : هو النعمان ، وقال ابن السيرافي : هو لأبي وجزة يمدح به عبد الله بن الزبير . وملك - كما قال الكسائي - أصله مألك بتقديم الهمزة ، من الألوكة ، وهي الرسالة ، ثم قلبت وقدمت اللام فقيل : ملاك ، ثم تركت همزته لكثرة الاستعمال فقيل : ملك ، فلما جمعوه ردوها إليه فقالوا : ملائكة وملائك أيضا . ( اللسان ) . ( 2 ) راجع ج 6 ص 317 . ( 3 ) في ه ع : واعلم أنها لما أظهرت عذرها عند النسوة في شدة محبتها له كشفت عن حقيقة الحال فقالت : ولقد راودته عن نفسه فاستعصم .